المقريزي
34
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
مباشرة جميلة عرف فيها بحسن المعرفة بصناعة القضاء والتّشدّد في الأحكام والمهابة والمعرفة بالوراقة والنّقد لما عساه يكون في المكاتيب من التّدليس ، فتحاماه شهود الزّور وخافوه ، إلى غير ذلك من العفّة والنّهضة والضّبط وعمارة الأوقاف ، بحيث إنه استجدّ لأوقاف الطّرحى من أموات المسلمين وهي مما يختصّ بنظرها قضاة الحنفية ربعا ، وفارق المنصب وفي الوقف مال مبلغه نحو الستين ألف درهم فضة ، عنها إذ ذاك نحو الثلاثة آلاف مثقال من الذّهب ، ولم يعرف عنه في ولايته أنه استبدل بوقف البتة . ولقد أخبرني القاضي جلال الدين محمد ابن القاضي بدر الدين محمد بن أبي البقاء أن والده قاضي القضاة بدر الدين كان يسكن اصطبلا بعشرة دراهم في كل شهر بخط السّفينة من رحبة باب العيد بالقاهرة وكان الإصطبل من جملة الأوقاف ، فأراد أن يتملكه بطريق شرعي فسأل قاضي القضاة شمس الدين الطّرابلسي ، وكلّ منهما يومئذ قاضي القضاة ، في أن يحكم باستبدال الإصطبل المذكور بما هو أعمر منه وأكثر أجرة فأبى من ذلك ، وتردّدت بينهما الرّسل غير مرّة إلى أن قال لشمس الدين محمد بن أحمد القليجي : قل لقاضي القضاة بدر الدين إن أعطاني في مقابلة هذا الإصطبل المدرسة الطّبرسية والمدرسة الآقبغاوية اللّتين بجوار الجامع الأزهر حكمت له باستبداله بهما وإلا فلا يعاودني في ذلك ، فانقطع الكلام بينهما فيه ولم يستبدل به . وما زال على ذلك حتى صرفه السّلطان يوم الاثنين العشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين وسبع مائة بشيخنا مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم الكناني . فلزم داره وولي تدريس الجامع الطّولوني مع ما كان بيده من الوظائف قبل تقلّد القضاء إلى أن صرف السّلطان شيخنا مجد الدين قاضي القضاة بجمال الدين محمود بن محمد القيصري فباشر قضاء الحنفية مع وظيفة نظر الجيوش إلى أن مات في سابع شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وسبع مائة ، فاستدعى السّلطان قاضي القضاة